وهبة الزحيلي
128
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ غافر 40 / 7 - 9 ] . والحساب من اللّه لعباده : أن يطلعهم على جميع أعمالهم ، ثم يسألهم : لم فعلوها ؟ . فقه الحياة أو الأحكام : تتضمن الآية إنذارا وتخويفا شديدا من الحساب الإلهي ، لكون الإنسان مملوكا للّه ، واللّه مطلع على كل أفعاله ، محاسب له على جليل الأعمال وحقيرها ، مما أدى إلى إيقاع الرهبة في النفوس والإشفاق عليها من شدة العذاب ، وتفويض أمره مطلقا إلى اللّه وحده ؛ أخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال : لما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتد ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم جثوا على الرّكب ، فقالوا : أي رسول اللّه ، كلّفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزل اللّه هذه الآية ولا نطيقها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا ، وإليك المصير ؟ » . فلما قرأها القوم وذلّت ( لانت ) بها ألسنتهم ، أنزل اللّه في إثرها : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ . . الآية . فلما فعلوا ذلك نسخها اللّه ، فأنزل اللّه : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها الآية . وظاهر قوله : « نسخها اللّه » يدل على نسخ هذه الآية بالآية التي بعدها وهي : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ . . وقد فهم بعض المفسرين « 1 » من ذلك أن هذه الآية
--> ( 1 ) وهم الإمام علي وابن عمر وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وآخرون من الصحابة والتابعين .